بيان حول المؤتمر الثقافي بالقاهرة
02/07/2007
Image
 

دور المثقف العربي في مواجهة واقع الاحتلال والهيمنة والاستبداد

ما من ثقافة قومية عانت الهزيمة,الا اذا استشعرت هذه الهزيمة في اعماقها ومن داخلها,او اقرت بتفوق الثقافة الغازية عليها واستسلمت لهذا التفوق.

وما من شخصية وهوية تهزم ,الا اذا بذر بذور الهزيمة فيها مفكروها ومثقفوها وذوو القرار والرأي فيها,ورسخوا في وعيها الاحساس بالدونية
فخلال الخمسة عقود الماضية تبددت المكاسب الوطنية والطاقات العربية بفعل الخور والروح المهزومة والتابعة التي تتصف بها النخب الاقليمية التي جثمت على حقيقة الامة العربيةالواحدة,فقطعتها اربا وقسمتها حيازات قبلية وملكية و رئاسية. ورغم ذلك لم تستطع لا المحافظة على مكاسب جيل التحريرولا استفادت من مرحلة عصر القوميات لتوحيد الامة العربية وخلق دولة عربية قوية,بل لم تمكن الامة العربية من تحقيق تنمية شاملة او حتى تكامل عربي اقتصادي عربي كما فشلت في توظيف عوائد النفط, وبالتالي كان التاريخ العربي المعاصر مفتوحا على مزيد من الاستبداد وطمس الحريات واهدار لحقوق الانسان وتغييب لمؤسسات المجتمع المدني,وتعليب فكر الجماهير وفق رؤى ومصالح الحكام واتباعهم.

 

واليوم والعراق يخضع للاحتلال المباشر للقوة العسكرية الامريكية والبريطانية وكما هو الحال في فلسطين  بفعل الوجود الاستيطاني الاستعماري الصهيوني, ينقل هذا الفعل الوطن العربي بالكامل الى وضع الاحتلال والاستعمار وطمس حريته والسيطرة على موارده وتهديده باعادة صياغة حياته طبقا لاوامر الغازي المحتل.

ان الحقائق الثابتة المستخلصة من واقع الغزو الثقافي الامبريالي الامريكي الصهيوني تؤكد انه غزو قسري لا يبقي ولا يذر.انه يريد اكتساح كل الهويات الحضارية والثقافة في العالم اجمع وفي مقدمته الوطن العربي, لمصلحة حضارة وثقافة واحدة هي الاكثر تقدما في علوم التقنية ولكنها من الثابت انها ليست الوحيدة  او انها الاعلى شانا انها تعنى نفي الاخر واحلال الاختراق والغزو الثقافي محل الحوار وتكريس الاستتباع الحضاري الثقافي, وتحقيق فهم خاص عالمي  يفضي لتحقيق رأسمالية حقوق الانسان, وايكال امرها الى اليات السوق, وبما يضمن مصالحهم التي يكفلها وتحميها الانظمة العربية القطرية الجاثمة فوق صدر أبناء الامة العربية بالجيوش والشرطة والقوانين الاستثنائية والاسلحة المستوردة من قبل البيت الابيض.

 في هذا الوقت من المفترض ان يكون دور المثقفين الريادي والطليعي يتبلور في تنوير الطريق النضالي باعتبار الوعي اولى مراحل المقاومة, ولانهم الورثة الشرعيون لأعظم تقاليد الفكر العربي الاسلامي في ذروة ازدهاره ابان الحضارة العربية الاسلامية, وهم الامتداد القادر على دمقرطة المنهج القومي ووضع مسألة الاجتهاد والجهاد في سياقها المعرفي والتاريخي المناسب المستند على ثوابت الاسلام التقدمية.

 كنا نعتقد ان أي تجمع للمثفقين العرب سيعطي الاولوية لهذه الكارثة  لتشخيص الواقع وفهم أبعاد الهزيمة وكيف تتمكن الامة العربية من المقاومة لتحرير ارضها وتوحيد اقاليمها وتحقيق التقدم أي خوض معاركها المركبة بمنهج متكامل ,وينقد ويغوص ويستشرف كيف لهذه الامة ان تتحرر من هذه الورطة التاريخية.وما هو الفكر والثقافة التى ستكون سلاح المعركة, وما هى التضحيات التى سيقدمها المثقفون العرب ككتيبه متقدمة وصدامية لقيادة جماهير الامة العربية فى هذه الوضعية الماساوية التى تمسك بخناقها.

 أولى مهام المرحلة للمثقفين هى تشخيص حي، ونقد موضوعى للواقع العربى بكل تفاصيله ، والى المشهد الشاخص الذى يكثفه الوضع فى العراق وفلسطين ، ومايشكله ذلك من تهديد استراتيجي للأمة العربية كهوية وكينونة وحضارة ومصالح .

  ونتصور ان مثل هذا المؤتمر الثقافى فى القاهرة , مركز العروبة الثقافى والسياسى وثقلها السكانى ، سيخصص لعودة الوعى الذى فقد اثر توقيع اتفاقيات كامب دافيد التى تعززت باتقافيات أوسلو ووادي عربة وماتبعها من اتفاقيات الاستسلام

لا ان يكون مؤتمرا لتشييع مايتصوره البعض جنازة الأمة العربية ومشروعها الحضارى .

 كما اننا لايمكن ان نتصور على نفس المستوى, وفى الزمان والمكان نفسه، الأ ينشغل المثقفون المؤتمرون بالهموم الواقعية للانسان العربى المسحوق، والافاق الاستراتجية التى تجسدها المرحلة الراهنة بالهجوم الاستراتيجى الأمبربالى الصهيونى ضد الامة العربية .

 ان ذاكرة المثقفين حية وعميقه ولابد لها من متابعة ومراجعة الاحداث وتبني على الايجابي منها ولذلك من المفيد ان تستعيد ذاكرة المثقفين العرب الذى شاركوا فى مؤتمر القاهرة ، مؤتمرا عربيا ثقافيا تاريخيا عقد فى تونس عام 1982 وشارك فيه المئات من المفكرين والمثقفين العرب اثر توقيع اتفاقيات كامب دافيد حددوا موقفهم فى مواجهة الغزو الثقافى الأمبريالى الصهيونى للامة العربية ، وما اكدوه لأمتهم والعالم وقتئذ من تبني طريق المقاومة. 

 ان الفكر العربي الذي استطاع في فترات عديدة ان يسهم وان يشارك وان يبدع في حل الكثير من المعضلات الحضارية التي صادفت امتنا والانسانية في بعض مراحل مسيرتها, مازال قادرا على العطاء والضخ باعرق تقاليده في شرايين ابناء وبنات هذه الامة, وان الفكر العربي لا يزال يواصل - رغم المحن والعوائق- رسالته كضمير لجماهير هذه الامة ينتسب الى وعيها العميق, ويقف بمسئولية كاملة مدافعا عن مصيرها الحضاري وفي قلب حركتها المناضلة من اجل المستقبل المنشود.

 كنا نتصور من المثقفين العرب الذين حضروا مؤتمر القاهرة ان يتذكروا  بأن خصوصية القومية العربية في نشأتها وتطورها في انتصاراتها وانكساراتها, كانت دائما قومية ذات محتوى اجتماعي متعدد المستويات لانها بحكم النشأة لا تتناقض مع الدين وبحكم التطور تزداد امتلاء وثراء به فان اغنى عناصرها الحرية والعدل والتقدم والمشاركة الانسانية الفاعلة, لذلك كانت قواها الحية دائما هي الفئات المقهورة المضطهدة كما كان نبراسها المنير التآخي مع القوميات المجاورة والاقليات  القومية و  الدينية داخل الوطن العربي .

 اما من حيث المبدأ فاننا في المجلس القومي للثقافة العربية والذي كان تأسيسه تتويجا لملتقى المفكرين والمثقفين العرب عام 1982, نتفق مع الذين حضروا وتفاعلوا مع مؤتمر القاهرة الثقافي من خارج مصر وداخلها في اهمية لقاء المثقفين والحوار فيما بينهم.فدولة بحجم مصر ووزنها العربي والاقليمي والدولي,وفي هذه اللحظة التاريخية الخطيرة لا يكون لقاء المفكرين والمثقفين على ارضها العربية الا لنقد الاوضاع العربية الرسمية والشعبية والبحث والتقصي في قضايا التخلف وغياب الديموقراطية وتفشي الاستبداد في مختلف الساحات العربية ولمراجعة مختلف حقول المعرفة بما فيها الثقافة الدينية, والحوار من اجل تقديم اجتهاد يأخذ بالثوابت والاسس والقيم التي استقرت عليها الامة, وينتقد ويقدم الاجتهاد المناسب لما تطرحه ظروف الحياة المعاشة من اشكاليات مثل قضية الاحتلال والهيمنة الامبريالية الصهيونية واليمقراطية - والوحدة- والعلاقة مع الاخر- والحرية والعدالة وكذلك الفقر والبطالة .

 حقيقة ما نود ابرازه هو أن تحقيق التقدم الحضاري وتحرير الارض والانسان العربي لاتتناقض فيه الوطنية مع القومية ولا القومية مع الدين. فالمفكر والمثقف العربي الملتزم بقضايا امته الكبرى, هو الامتداد القادر على تسويد المنهج القومي التقدمي الديمقراطي, لاستئناف مسيرة العطاء الحضاري لانساننا والعالم.

واذا كنا نعترف بان واقع الهزيمه والاحتلال يخلق ظرفا استثنائيا وانه لامجال لانكار تعدد الاراء والاقرار بالحق فى الاختلاف الا ان المنطق والمعقول ان تكون مبادى الامة ومصالحها هى المؤطر لمسؤليات المثقفين والعاصم لها من الانزلاق نحو الاخطاء والانحراف.

وفي هذه الظروف الصعبة والاشكالية التي تحتم لقاء المثقفين فان المسؤلية تفرض عليهم الالتزام بعدد من المؤشرات والنتائج على سبيل المثال لا الحصر:   

التى تعززت باتقافيات أوسلو واومى عربى وماتبعها من اتفاقيات الاستسلام

- العمل على تحديد القضايا الاشكالية التي تشكل ازمة الواقع العربي واولوياتها على الصعيدين الداخلي والخارجي.

- تحديد نقاط الاتفاق ونقاط الاختلاف بين المثقفين وتياراتهم المتعددة.

- تحديد الواجبات ومهام العمل وكيف يمكن صياغة برنامج ثقافي يعبر عن العقل الجمعي للامة يسهم به المثقفون في معركة التحدي الحضاري فى تحرير الارض والوطن وتحقيق اليدمقراطية والوحدة القومية.  

  

 

المجلس القومى للثقافة العربية

2/8/2003