الفصل الثاني - حركة الثورة العربية
03/07/2007
Image
 

الفصل الثاني


حركة الثورة العربية

 
إن الأمة العربية أمة واحدة تشكلت في عمق التاريخ كجماعة بشرية عاشت على أرض محددة وتبلورت وحدتها ومقومات شخصيتها في وحدة اللغة والتاريخ والثافة والمصير
وإذا كانت أمتنا مهد الرسالات السماوية إلا أن الإسلام طبع حضارتها وثقافتها بطابعه الإنساني وساهم في بلورة شخصيتها القومية وشكل إسهامها العظيمة في الحضارة الإنسانية .

ولقد تعرضت أمتنا على مر التاريخ للغزو والعدوان ومحاولات القهر والإستعباد … إلا أنها كانت تنجح دوماً في طرد المعتدين مهما طال الزمن وتنتصر على جميع الغزاة والمحتلين .

وما من شك في أن أعتى وأخطر تحد واجهته الأمة العربية في تاريخها هو تحدي الغزوة الإستعمارية منذ مطلع القرن الماضي وما أرتبط بها من حركات أستيطانية – توسعية وبخاصة الحركة الصهيونية العنصرية ولقد قاومت أمتنا في مختلف أقطارها هذه الغزوة بشتى الوسائل .. كما قاومت عمليات التجزئة التي رافقتها وأرتبطت بها ومحاولات سلبها مواردها وثرواتها الطبيعية وأخضاعها للنير الإستعماري إن شعبنا العربي من المحيط إلى الخليف لم يلق السلاح ولم يكف عن مقاومة هذه الغزوة الإستعمارية منذ أو وطأت أرضنا إن آلاف الشهداء والأبطال قد سجلوا صفحات مشرقة في تاريخ هذه الأمة فمقاومة الشعب الجزائري للإحتلال الفرنسي بقيادة عبد القادر الجزائري وإنتفاضة الريف المغربي بقيادة عبد الكريم الخطابي وثورة عرابي ضد الإستعمار البريطاني في مصر وحركة الجهاد الليبي من 1911 – 1931 ضد الإحتلال الإيطالي بقيادة عمر المختار وفي وجه محاولات الإستعمار الأنجلو فرنسي تكريس سيطرته على المشرق العربي تأججت في موجة عارمة من المقاومة والغضب فكانت الثورة العربية الكبرى لعام 1916م تغطي الجزيرة والمشرق العربي وثورة 1919م المصرية وأبطال ميسلون يسدون بأجسادهم مداخل سوريا في وجه الجيش الإستعماري الفرنسي وثورة العشرين العراقية وما إن تنكسر موجة من المقاومة حتى تنطلق موجة فإذا بالثورة السورية الكبرى عامي 1925م – 1927م تعقبها ثورة 1936م في سلسلة إنتفاضات للشعب الفلسطيني ضد الإنتداب البريطاني والأستيطاني الصهيوني منذ وعد بلفور .

وخلال الحرب العالمية الثانية وبعدها تمكنت حركة الثورة العربية من إنتزاع الإستقلال في العديد من الأقطار العربية وتأمين جلاء الجيوش الإستعمارية عن أراضيها لكن سرعان ما أثبتت القيادات الإقطاعية البرجوازية التي تربعت على قمة السلطة السياسية بعد التحية  الإستقلال عجزها  عن تحقيق التطلعات الجماهيرية في الإستقلال الناجز والوحدة القومية والتقدم الإجتماعي مما أدى بشكل أو بآخر إلى تعميق إرتباط إقتصاديات تلك الأقطار بعجلة السوق الرأسمالية العالمية .

بلغ هذا النهج ذروته في مسئولية تلك القيادات والملوك الرجعيين العرب عن التخلي عن نضال الشعب الفلسطيني وتمرير الإحتلال الصهيوني لفلسطين عام 1948م .

وفي ظروف تقاطعت فيها مرارة الهزيمة القومية مع تأزم المشكلات الإقتصادية والإجتماعية الناجمة عن  التبعية المتجددة دخلت حركة الثورة العربية مرحلة جديدة في تاريخها أرتكزت فيها إلى تحالف شعبي واسع حرك أعماق الجماهير العربية وفي تلك المرحلة التي ترافقت مع حلول الإمبريالية الأمريكية محل الإستعمار الفرنسي والبريطاني .

حققت حركة الثورة العربية أبرز منجزاتها … فقد جرى دفن مشاريع الأحلاف العسكرية الواحد تلو الآخر وسقط آخر تلك الأحلاف مع النظام الملكي في العراق في 14 من تموز 1958م وأعلنت حرب السويس 1956م وتأميم القناة والهزيمة التي مني بها العدوان الثلاثي على مصر الناصرية أفول نجم الإستعمار الفرنسي – الإنجليزي وشهدت المنطقة ولادة أول تجربة وحدوية في التاريخ العربي المعاصر هي الوحدة السورية المصرية 1958م وفي الوقت نفسه كانت فصائل أخرى في حركة الثورة العربية تسجل إنتصارها على الإستعمار فكان إستقلال الجزائر بعد سبع سنوات من الحرب الشعبية قدم خلالها الشعب الجزائري مليون شهيد ونالت أقطار عربية أخرى أستقلالها السياسي وطردت الجيوش الأجنبية وأنطلقت ثورة 8 آذار في سوريا ترد على الإنفصال .

وعلى الصعيد الإقتصادي والإجتماعي شهد المجتمع العربي تحولات عميقة تمثلت في قيام أنظمة تقدمية تولت تصفية الإقطاع وتحقيق الإصلاح الزراعي وتأميم المصالح الإحتكارية الأجنبية ومباشرة التصنيع والسيطرة على العديد من الموارد والثروات العربية وتحقيق المكتسبات الفعلية لجماهير العمال والفلاحين وسائر الجماهير الشعبية في ظل أنظمة إقتصادية يلعب فيها القطاع العام دوراً متزايد الأهمية .

ومن جهة ثانية كانت تلك المرحلة مرحلة كسر إحتكار السلاح وبداية التحالف مع المعسكر الإشتراكي وأنطلاقة حركة الحياد الإيجابي بمساهمة أساسية من قوى الثورة العربية وعلى الأخص منها الثورة الناصرية والثورة الجزائرية اللتان قدمتا نموذجاً نضالياً متقدماً لسائر شعوب آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية .

وبذلك كله تعمق المضمون الإجتماعي للثورة العربية وأتضح بوضوح قاطع الإرتباط بين التحرر الوطني وبين التطور الإقتصادي ذو الأفق الإشتراكي وقد ترافق ذلك مع أرتباط حركة الثورة العربية المتزايد بالجماهير الكادحة ذات المصلحة في التحرر والوحدة والتقدم الإجتماعي هذه الجماهير التي منحتها زخمها الكبير وجذرية تواجهاتها .

وإذا كانت نكسة عام 1967م قد أعلنت إنتقال الإمبريالية وعملائها في الوطن العربي من الدفاع إلى الهجوم المعاكس على قوى الثورة العربية ومكتسباتها الشعبية وإنجازاتها الكبيرة وإذا كان هذا الهجوم المعاكس قد نجح في تحقيق عدد من أهدافه ، إلا أن أنطلاقة الثورة الفلسطينة وإنتصار ثورة أكتوبر اليمنية وثورة الفاتح من سبتمبر في الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الإشتراكية ، تؤكد مجدداً مدى ما تختزنه جماهيرنا العربية من تصميم على الصمود والتصدي ، ومدى قدرتها على تحويل الإنتكاسات إلى حوافز للفعل والإنتصار .

ولايمكن تفسير شراسة الهجمة الإمبريالية – الصهيونية الرجعية الحالية ورأس حربتها إتفاقيات كمب ديفد وأضطرار الإمبريالية الأمريكية إلى العودة للتدخل العسكري المباشر للحفاظ على مصالحها وعلى عروش وسلطات عملائها المتداعية سوى شراسة المقاومة الشعبية العربية الشاملة للإمبريالية ولمرتكزاتها المحلية – الصهيونية والرجعيات العربية  العميلة .

وإذ تواصل حركة الثورة العربية مسيرتها ، وتسعى إلى تجذيرها وإلى تجدّيد إنطلاقاتها ، فأنها تضع نصب أعينها إستكمال تحقيق أهدافها الرئيسية في التحرر وتحقيق الوحدة العربية والديمقراطية والإشتراكية .